الشيخ عبد الغني النابلسي
76
كتاب الوجود
يقول له حصول الصورة في الذهن غير مطابقة للّه تعالى في نفس الأمر ، فإنه تعالى لا صورة له في نفس الأمر ؛ سواء حصلت تلك الصورة في الذهن بالقصد ، أو من غير قصد ، فالعلم به تعالى بتلك الصورة « 1 » ، والحكم عليه سبحانه بأمر من الأمور بتلك الصورة لا يكون علما به تعالى ، ولا حكمها عليه لتنزهه تعالى في نفس الأمر عند جميع الصور ، فإن أراد القائل : لا تصوره العقول ، أن العقول لا تجعله ذا صورة في الخارج « 2 » ، فهو أمر غير معقول ، ولا متوهم أيضا ؛ إذ لا يتوهم أحد من المؤمنين ، ولا الكافرين ، ولا الضالين ، ولا المضلين أن العقول تقدر أن تصرف في ذات اللّه تعالى في الخارج ، فتغير ذاته سبحانه من كونها مطلقة منزهة عن الصورة ، فتجعلها مقيدة محصورة في صورة « 3 » أصلا ، حتى يزال هذا الأمر المتوهم ،
--> ( 1 ) قال في المعجم الصوفي ( ص 151 ) ، طبعة دار الرشاد : قيل : الصور علوية وسفلية : والعلوية حقيقية وإضافية ، والحقيقية هي صور الأسماء الربوبية والحقائق الوجوبية ، والإضافية هي حقائق الأرواح العقلية ، وأما الصور السفلية فهي صور الحقائق الإمكانية ، وهي أيضا منقسمة إلى علوية وسفلية ، فمن العلوية صور عالم المثل ، وأما السفلية فمنها صور عالم الأجسام غير العضوية ، كالعرش والكرسي ، وصور العناصر والصور النباتية والحيوانية ، وكل هذه العوالم تشتمل على صور لا تتناهى ، ولا يحصيها إلا اللّه سبحانه . ( 2 ) قال النووي في شرح مسلم ( 3 / 14 ) ، طبعة دار الكتب العلمية : اعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية اللّه تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا . وأجمعوا أيضا على وقوعها في الآخرة ، وأن المؤمنين يرون اللّه تعالى دون الكافرين ، وزعمت طائفة من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن اللّه تعالى لا يراه أحد من خلقه ، وأن رؤيته مستحيلة عقلا ، وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح ، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ، فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية اللّه تعالى في الآخرة للمؤمنين . ( 3 ) واستكمالا لكلام النووي قال : وأما رؤية اللّه تعالى في الدنيا فقط فإنها ممكنة ؛ ولكن الجمهور من السلف والخلف من المتكلمين وغيرهم أنها لا تقع في الدنيا ، وحكى أبو القاسم القشيري في رسالته المعروفة عن الإمام أبى بكر بن فورك ، أنه حكى فيها قولين للإمام أبى الحسن الأشعري ، أحدهما وقوعها ، والثاني لا تقع ، ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها اللّه تعالى في خلقه ، ولا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئي .